الغنوشي و السبسي : المسؤولية تاريخية

Publié le par Yassine Brahim / ياسين براهيم

images-copie-1

إثر  ثالث عمليّة اغتيال سياسي في البلاد ذهب ضحيتها الشهيد محمد البراهمي القيادي بالجبهة الشعبية وعضو المجلس الوطني التأسيسي يوم 25 جويلية 2013 يتعرّض أبناؤنا من الجيش الوطني بعد ايام قليلة من حادثة الاغتيال إلى الذبح والتنكيل بجثثهم من طرف مجموعات ارهابية بجبل الشعانبي لتكون هذه الحادثة رابع أزمة سياسية مؤسّساتية تشهدها البلاد بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد  وذلك يوم 6 فيفري 2013 واغتيال لطفي النقض يوم 18 أكتوبر 2012 و الهجوم الارهابي على السفارة الأمريكية يوم 14 سبتمبر 2012.

 

في ظلّ هذه الأزمة من هم الممثلين الأساسيين  الحاليين لوجود حل لبلادنا يبعث الأمل في نهاية سليمة لهذه الفترة الإنتقالية؟

 

في البداية إنّ الترويكا التي يعتبرها البعض هي السّلطة الحاكمة أنا شخصيّا وأقولها صراحة أنّ حركة النّهضة هي من تتحكّم في مقاليد السّلطة فقد تبيّن أنّ حزب المؤتمر من أجل الجمهورية لم يخرج مطلقا من ستار النهضة في حين أنّ حزب التكتّل ورغم التصريحات النارية التي يدلي بها مصطفي بن جعفر من وقت إلى آخر إلّا أنّه في نهاية المطاف يعود إلى جناح حركة النهضة وينطوي نحو إرادتها.

وبالتالي فإنّ السّلطة بيد النّهضة التي تعتبر حركة أكثر من أن تكون حزبا يزعمها راشد الغنوشي.

 

في المقابل المعارضة ضعيفة داخل المجلس الوطني التأسيسي اللذي يرى شرعيته متناقضة منذ 23 أكتوبر،  فعلى إثر الأزمة الرابعة التي شهدتها البلاد التونسية قرّرت المعارضة مقاطعة أشغال المجلس الوطني التأسيسي. ولكن المعارضة متفوقة حسب النتائج  في استطلاعات الرأي   منذ عدة أشهر. فرغم حداثة نشأته تمكّن حزب نداء تونس الذي يرأسه الباجي قائد السبسي من تجميع عدة تيارات المعارضة  كما استطاع الحزب من تكوين الاتحاد من أجل تونس ليتمكّن بالتالي من كسب حزب الجبهة الشعبية الذي كان معارضا له في بداية مساره في نطاق جبهة الإنقاذ. 

من جهته قدّم كلّ من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أكثر من مرّة منذ 16 أكتوبر 2012 عدّة اقتراحات لضرورة الحوار الوطني والبحث عن توافق بين الجميع لإنجاح المرحلة الانتقالية إلّا أنّ هذه المبادرات رغم أهميّتها وثرائها, لاقت الرّفض من قبل حركة النهضة موفي سنة 2012 التي اختارت اقصاء نداء تونس من المشهد السياسي واستعمال العنف من قبل روابط حماية الثورة خاصة  إلّا أنّ حادثة اغتيال شكري بلعيد غيّرت مجرى الأحداث السياسية في تونس لتقبل النّهضة الجلوس على نفس طاولة الحوار مع نداء تونس لتدارس أوضاع البلاد لإيجاد الحلول للخروج من الأزمة

وبالتالي فإنّ الخروج من أيّ أزمة تعيشها البلاد اليوم لا يمكن أن تنحلّ إلّا بتوافق كلّ من راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي رغم أنّ هذا الواقع يحبط العديد من الأطراف فالحزبان يمثّلان 70 بالمائة من المجلس الوطني التأسيسي والرأي العام حسب نتائج استطلاعات الرأي. حزب يمثّل السّلطة الحالية وآخر يمثّل المعارضة ليصبحا هما المسؤولان عن نجاح أو فشل هذه المرحلة من  المسار الانتقالي.

مرّ الآن شهر ومايزالا الطرفين في تشاور وتفاوض مستمر إلّا انّنا إلى اليوم لم نرى ولم نلحظ أيّ قرار بعد. هنا أيّها السّادة أودّ أن أقول لكم أنّ المسرح بدأ يحترق.

إن بلدنا يتجه في الواقع، نحو تسريع وتيرة الأزمة الاقتصادية ، وبالتالي الاجتماعية . و أنا مندهش حيال الهدوء التي تبديه الحكومة إلى درجة أنها امتنعت حتى على التعليق حيال الانخفاضات في التصنيف العالمي لتونس و التي قدمته وكالات التصنيف الدولية على غرار انخفاض جاذبية تونس كوجهة للاستثمار ، وانهيار العملة المحلية ، و الانخفاض الكبير في الإنتاجية ، و الزيادة المقلقة في نسبة العجز و وخاصة عدم الاهتمام بنسبة الائتمان في الميزانية  في الميزانية 2013 لدينا1.4 مليار من الديون التي من المفترض أنها أسقطت خلال الثلاثية الرابعة لسنة 2013، وفقا لتقرير بعثة صندوق النقد الدولي المنشور في نهاية شهر ماي 2013 و المتاح في موقعه على الانترنت. و لا تزال 70منها بعيدة عن كل الضمانات. و في حال لم نفعل ، فإنه ستقف الاستثمارات العمومية و لا يمكننا الاستمرار في الأسواق المالية طبقا للمؤشرات  ، بحيث يصبح البلد أكثر خطورة ، وستقطع البنوك الدولية خطوط الائتمان الخاصة بهم في البنوك التونسية على المدى القصير ، و بما ان  في الاقتصاد التونسي لا يمكن الإنتاج دون استيراد ، و  نحن نصدرنسبيا بكميات كبيرة. فلمن نحن مديونون الآن ؟ البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وصندوق النقد الدولي ، بنك الاستثمار الأوروبي وبعض الدول الصديقة ، إذن هي عمليات ثنائية ومتعددة الأطراف في آن واحد .و المساهمين الرئيسيين لاته البنوك هما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

فلا يثير الاستغراب أن لقاء راشد الغنوشي و الباجي قائد السبسي في باريس تم بمباركة من هذين القوتين العالميتين المتحالفة مع تونس

إن الولايات المتحدة ، على الرغم ما حصل يوم 14 سبتمبر 2012 ستظل البلد الصديق التاريخي لتونس ، وبالتأكيد مهتمة ، كجميع الأصدقاء الجيو استراتيجييين باستقرار البلاد أمنيا. يبدو أنهم يعتقدون أنه إذا كان هناك دولة عربية قادرة على تثبيت الحرية الحقيقية والديمقراطية بعد الثورة بنجاح، فإنه سيكون تونس دون شك.

 و يعتبر الاتحاد الاوروبي المستثمر الأكبر في تونس حيث تبلغ نسبة معاملات التبادل الاقتصادي 75 بالمائة كما أنّ الدبلوماسيين بالخارج على علم بالوضع الرّاهن الذي تعيشه البلاد التونسية إلّا أنّ الوضع الأمني المتدهور في تونس يثير رهبة الغرب وبالتالي فإنّه من الضروري تحقيق الجانب الأمني وضمان المصالح الاقتصادية والاجتماعية فلا نستغرب أن يشجّع الثنائي أشتون- كيري كلا من الباجي قائد السبسي و راشد الغنوشي على الالتقاء والتفاهم.

يجب علينا أن نكون فخورين ببلادنا فرغم أنّ تونس تتكوّن من 11 مليون نسمة وحجم اقتصادي صغير الحجم عالميا إلّا أنّها تحضى باهتمام  أكبر القوى العالمية.

وفيما يتعلّق بالزيارات إلى الإخوة الجزائريين، أنا مندهش أيضا من الردود الفعل السلبية التي ولدت. المنزل تتهاوى وقبل الإصلاح، من الواجب إعلام الجار وتبادل الآراء معه خاصة وأن مشاغلنا الأمنية ومقاومة الإرهاب على الحدود تهم ابلدين. فاستقرار تونس يهم جارها فلا بأس أن مهندسي الإستقرار يعلمون الجار.  فمرة أخرى أنا لا أريى أين فقدان السيادة.

نعم لكنا سعداء أكثر لو كنا مواطينين ننتمي الى بلد مستقل اقتصاديا, فائض ماليا،  بلد قادر على السيطرة على حدوده تماما من الناحية الأمنية و توفير الامن اللازم , بلد مستقل تمام الاستقلال عن أي طرف هذا هو البلد اللذي سنبني إذا نجحنا، وسوف ننجح، ولكن ليس بعد تونس اليوم.

إذن من الواضح أنه لدينا شخصيتان مسؤولتان كل شخصية لديها جهة سياسية تدعمها دون ان ننسى منظمات المجتمع المدني والمحيط الدولي السياسي و الجغرافي الملائم لها و بالرغم من ذلك فإنّ المشاورات و النقاشات أخذت وقتا طويلا و لم تأتي بحلول إلى حد الآن. في الآن ذاته ليس لهؤلاء المسؤولين الحق في الفشل بعد كل هذا الوقت خاصة وأنّ الأزمة تتعقد يوما بعد يوم

أتوجه في البداية إلى السيد راشد الغنوشي: أعرف انك تقبل النقد أكثر من انصارك.  سأبدأ بالاعتراف لكم ببعض النقاط الايجابية التي سجلت لك في الاشهر الاخيرة . أولا خلال شهر افريل 2013 في دار الضيافة رايتكم تعدّلون  في الإتجاه الإيجابي موقف نوابكم فيما يخص  التوطئة وبعض الفصول في باب الحقوق والحريات و النظام السياسي في مشروع الدستور و كنتم قابلين بتعويض الفصل 141 لكن و في هذه النقطة بالذات و بعد الرجوع الى موقف كتلتكم النيابية و حزبكم فقد تراجعت., وأضعتم الوقت مع انكم تعرفون أن المثول الى القوة فيما يخص هذه النقطة بالذات غير وارد أبدا في تونس. و فيما يخص روابط حماية الثورة فقد قبلتم بنص لم تلتزموا بتطبيقه وقد كسبتم قدرا من الثقة خلال هذا الحوار ولكنكم خسرتموه بعد ذلك لانعدام الارادة الكافية لديكم في الذهاب لأبعد من ذلك خلال هذا الحوار و خاصة فيما يخص الجزء الثاني الذي كان تحت رعاية الاتحاد العام التونسي للشغل. فلقد نجحتم في خلق التوازن بين جناحي حركتكم والآن لا لكم خيار اخر غير الانحياز للغة العقل. اللجوء الى القوة الذي سعيتم اليه منذ عشرين شهرا لم يعد ممكنا اليوم وأظن انتم تعرفون ذلك جيدا. عليكم ان تتراجعوا لكي تتمكنوا من القفز لاحقا. الخوف من المحاسبة ليس ممكنا في بلدنا فحركتكم لها وزنها في المشهد السياسي والمجتمعي و الحرية التي نسعى الى تحقيقها و ترسيخها تقودنا الى عدم القبول بمعاملة و اضطهاد الاسلاميين أو اليساريين أو غيرهم كما كانوا يعاملون قبل الثورة. إذا لا بد من وجود حل توافقي مع المعارضة  وممثلها الأول سالباجي قائد السبسي بسرعة في مصلحة البلاد والحركة، والتي ليست إلى الآن حزبا سياسي و يجب أن تقوم بثورها، عفوا بل بتتطورها.

سيد الباجي قائد السبسي أنت تقول دائما أنك لن تلزم نفسك في مشروع لن يفوز، ولقد فزت مرتين منذ قيام الثورة: أوصلت البلاد إلى الانتخابات في المرة الاولى وأقمت جبهة وحقّقت توازن بين القوى السياسيةالآن وطبقا للمقولة الفرنسية jamais deux sans trois  فإنك لا بد أن تسعى في تحقيق انتقال البلاد إلى الانتخابات المقبلة في جو سلمي. أنت أخذت اليوم زمام المبادرة، وأنت المسؤول الآن أمام المعارضة مع أنها على علم بأنك تتفاوضوهذه المفاوضات ليست على قدر من الشفافية بالنسبة لبعض أصدقائنا و هذا لا يهم لأن مستوى الثقة عالي والنتيجة هي الأولى. تبقى طالت المدة ولا بد من توضيح الرؤية في أقرب وقت لان قوى المعارضة أوقفت الضغط والتصعيد في انتظار إنتهاء المفاوضة والبلاد تعاني من طول الأزمة...

أيها السادة، إن منظمات المجتمع المدني قد اقترحت حتى الآن سيناريو معقول والذي يفرض تحديد الخطوط العريضة والتفاف الجميع لأجل تونس لتثبت قدرتها على إيجاد توافق وطني في لحظة هي الأصعب بالنسبة لها للانتقال لمرحلة الحرية والديمقراطية.  

ياسين ابراهيم

 

مؤسس حزب آفاق تونس

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article